الشيخ محمد علي طه الدرة
510
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الهجرة إلى المدينة المنورة جاء عمر ، ومعاذ ، ونفر من الصّحابة رضوان اللّه عليهم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقالوا : يا رسول اللّه ! أفتنا في الخمر ، فإنّها مذهبة للعقل ، مسلبة للمال . فنزلت الآية الكريمة التي نحن بصدد شرحها ، فشربها قوم ، وتركها آخرون تورّعا ، وترجيحا لمضرّتها على منفعتها ، الّتي ذكرتها ، ثم إن عبد الرحمن بن عوف - رضي اللّه عنه - دعا جماعة من الصحابة إلى بيته ، فشربوا ، وسكروا ، فلمّا حضرت صلاة المغرب ، قدّموا أحدهم يصلّي بهم ، فقرأ سورة ( الكافرون ) : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلخ ، وحذف ( لا ) النافية ، فأنزل اللّه تعالى قوله في سورة ( النساء ) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى . . . إلخ ، فتركها الأكثرون ، وقلّ من يشربها ، وعمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - كان يقول دائما : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا . ثم إنّ عتبان بن مالك الأنصاري - رضي اللّه عنه - دعا جماعة من الصّحابة فيهم سعد بن أبي وقاص - رضي اللّه عنهم أجمعين - ، فأكلوا ، وشربوا ، حتّى أخذت منهم الخمر ، فافتخروا عند ذلك ، وانتسبوا ، وتناشدوا الأشعار ، فأنشد سعد - رضي اللّه عنه - قصيدة فيها فخر بقومه ، وهجاء الأنصار ، فأخذ رجل من الأنصار لحي بعير ، فضرب به رأس سعد ، فشجّه موضحة ، فانطلق سعد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وشكا إليه الأنصاريّ ، فقال الفاروق - رضي اللّه عنه - : اللّهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ! ويروى : أن الحمزة - رضي اللّه عنه - شرب الخمرة يوما ، وخرج ، فلقي رجلا من الأنصار ، وبيده ناضح ناقة له ، والأنصاريّ يتمثّل ببيتين لكعب بن مالك - رضي اللّه عنه - ، يمدح بهما قومه ، وهما : [ الطويل ] جمعنا مع الإيواء نصرا وهجرة * فلم ير حيّ مثلنا في المعاشر فأحياؤنا من خير أحياء من مضى * وأمواتنا من خير أهل المقابر فقال الحمزة - رضي اللّه عنه - : أولئك المهاجرون ، وقال الأنصاريّ : بل نحن الأنصار ، فجرد الحمزة سيفه ، وعدا على الأنصاريّ ، فهرب الأنصاريّ ، وترك ناضحه ، فقطعه الحمزة بسيفه ، فجاء الأنصاريّ شاكيا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأخبره بفعل الحمزة ، فغرم له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ناقة ، فقال الفاروق - رضي اللّه عنه - : اللّهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا ! فأنزل اللّه تعالى آية ( المائدة ) قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ . . . إلخ إلى قوله تعالى : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ فقال الفاروق - رضي اللّه عنه - : انتهينا يا رب ! فكانت الآيات مما وافق رأي عمر - رضي اللّه عنه - وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيّام . هذا ؛ والحكمة في وقوع التّحريم على هذا التّرتيب : أنّ اللّه تعالى علم : أنّ القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر ، وكان انتفاعهم بذلك كثيرا ، فعلم أنّه لو منعهم من الخمر دفعة واحدة ؛ لشقّ ذلك عليهم ، فلا جرم استعمل هذا التّدريج ، وهذا الرّفق . قال أنس رضي اللّه عنه : حرّمت